Municipality of Dhour Shweir

التاريخ

الشوير عبر العصور

اول ذكر لبلدة الشوير في التاريخ حصل عام 753 على اثر معركة عسكرية حصلت فيها بين نصارى الجبل وفرقة من الجيش العباسي وكان النصر فيها لاهل الجبل . وقد كانت بلدة بسكنتا مع القرى المجاورة ومنها الشوير في تلك المرحلة تجمعا رئيسيا للمردة.

منذ ذلك الحين اشتهرت الشوير وعلى مدى العصر العباسي بصناعة الحديد والسيوف والسلاح حيث قيل ان السيف الشويري هو من افضل سيوف العرب على الاطلاق.

هكذا عاش هؤلاء الشويريون الجبليون فترة طويلة كصناع للحديد المستخرج من ارض مرجبا القريبة, في واد مسور بالتلال والجبال من كل جانب وهذا السور الطبيعي الذي يعني في اللغة السريانية "شورو" هو الذي اعطى الاسم للبلدة الى جانب الشير الموجود في وسط البلدة بعد التحوير الذي حصل في الانتقال من اللغة السريانية الى العربية, من كلمة "شورو"  الى  "شير"  الى  "شوير".

المفصل التاريخي الثاني حصل عام 1305 عندما هاجم المماليك قسما من جبل لبنان فقتلوا وحرقوا وهجّروا , وتوقفت الحياة في قراه ودساكره ومنها الشوير. استمر ذلك الى سنة 1400 حيث تمركز القائد المغولي تيمورلنك في دمشق وراح جيشه يزرع الخوف والرعب في المناطق الداخلية من البلاد مما سبب في انتقال الكثير من سكان الداخل الى الجبال ومنها الشوير.فاعادوا بناء القرى والحقول والبساتين.

وبالفعل عادت الحياة الى الشوير شيئا فشيئا واصبحت ملجأ حصينا لكل رافض لتسلط الحكام والامراء والاقطاعيين.فأتاها الاحرار من كل المناطق فازدهرت وتكاثر عدد سكانها الموزعين على حوالي العشرين عائلة واصبحت مركزا انسانيا ذا شأن كبير من حيث الوزن السياسي ولا سيما اصبحت مركزا تجاريا وصناعيا لكل المناطق المجاورة وصلة وصل اقتصادية بين قرى وسهل البقاع وقرى ساحل بيروت, في تلك المرحلة وحوالي سنة 1525 بنيت كنيسة السيدة في وسط البلدة امام الشير الشهير وكان يعتبر جرس الكنيسة من اكبر اجراس كنائس سورية على الاطلاق.

وفي العام 1636 بعد وفاة الامير فخر الدين بسنة واحدة,حصلت معركة كبيرة بين القيسيين واليمنيين في " مرحاتا" وهي التسمية القديمة لموقع تلال السور الطبيعي المحيط بالشوير من الشرق والغرب والذي يسمى اليوم ضهور الشوير.

في العام 1719 حصل مرض طاعون في حلب فغادر من استطاع من اهاليها الى اماكن متعافية وسليمة, وقد اتى الشوير مجموعة من الحلبيين من آل الحجار وسكنوا فيها وكان منها معلمو بناء جيدون فقاموا بتشييد كنيسة مار نقولا في دير مار يوحنا الصابغ مركز الرهبانية الشويرية وعاونهم في ذلك شبان من الشوير ما لبثوا ان اتقنوا المهنة وطوروها وبدأت منذ ذلك الحين تنشأ اجيال من البنائين الفنانين الشويريين جعلت منهم الاكثر براعة في طول البلاد وعرضها وشكلوا مع صناع الحديد الشويريين تجمعا مهنيا متخصصا احتكر هاتين المهنتين لفترة طويلة من الزمن وهذا ما دفع الامراء والمشايخ والمقدمين والاقطاعيين ورعايا الطوائف والاكليروس يستعينون بالشويريين لبناء المساكن والقصور والجسور والاديرة والكنائس في كل المناطق وصولا الى فلسطين وسوريا ومن هذه الصروح قصر بيت الدين وقصر المختارة وصرحا بكركي والديمان وسرايا الشام وزحلة.

هذا الاحتكارالمهذب جعل من الشويريين جماعة محترمة ميسورة ماديا وذات علاقة اجتماعية وسياسية مع اكابر البلاد فاكتسبوا وزنا وشهرة وعاشوا جماعة منفتحة على كل المناطق والطوائف وهذا ما ساهم فيما بعد ان يلعب الشويرييون دورا سياسيا وطنيا بعيدا عن الانعزال والتقوقع والحقد الطائفي . وقد برز ذلك في انطلاق الحركة القومية الاجتماعية في الشوير بالذات على يد الزعيم انطون سعاده مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي.

هذا الجو العام المتحضر عند الشويريين جعلهم ايضا طلاب علم وثقافة فراحوا يتحينون الفرص الى ان ساهم العلامة جرجس همام صليبا الشويري في نقل مدرسة المرسلين الانكليز من سوق الغرب الى الشوير عام 1874. فتسابق الشويرييون الى غرف العلم وبدأت اجيال الخريجين المتفوقين تتتابع وراح الشويريون يتسابقون في فتح المدارس في بلدتهم حتى بلغ عددها عام 1897 تسع مدارس منها اربعة مدارس داخلية.وهكذا انفتح امام الشويريين باب ثالث ليبرعوا فيه ويتميزوا هو باب العلم فتفوق منهم العديدون وفي جميع الحقول العلمية  وحتى يومنا هذا نذكر منهم:

العلامة جرجس همام في الرياضيات

الشيخ اللغوي ضاهر خيرالله وابنه امين في اللغة والقانون والرياضيات

- الدكتورة سلوى نصار في الفيزياء والرياضيات والذرة حيث كانت اول امراة عربية في هذا الحقل وثاني امراة على المستوى العالمي.

- العلامة الدكتور خليل سعادة في الطب والصحافة والسياسة.

- المعلم نعمة يافث في العلوم والتجارة والسياسة والاغتراب والمال.

- الدكتور نزيه بعقليني في الفيزياء والرياضيات وعلم الطاقة الكونية.

- الدكتورين كريم نصر وريمون غصن في الهندسة والعلوم.

- الدكتور خليل حاوي وشقيقه ايليا في الشعر والادب والنقد وغيرهم الكثير من رجالات العلم والثقافة.

في العام 1858 بدأت السفن الغربية تأتي الى البلاد حاملة معها الحديد المصنع باسعار اقل مما هي محليا فراحت مهنة الحديد عند الشويريين تضعف شيئا فشيئا وبقيت مهنة البناء ومجال العلم.

في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين انفتح امام الشويريين باب اقتصادي واسع جديد, هو باب الاصطياف والسياحة. ولا عجب في ذلك حيث ان تلال السور الطبيعي التي شكلت ضهور الشوير هي في ذاتها فردوسا ارضيا جماليا مميزا تكلله اشجار الصنوبر ومنه ترى البحر والجبل وقسما كبيرا من لبنان الى جانب المناخ الصحي والسليم فبدأ هذا المصيف بالانتعاش والتقدم حتى اصبح قبل بدء الحرب اللبنانية من اشهر مصايف لبنان اذا لم نقل المصيف الاول. فكان فيه 13 فندقا  واشهرهم فندق القاصوف الكبير الذي استقطب سياح من كافة بلدان العالم بالاضافة الى ان اول حفل انتخاب لملكة جمال لبنان جرى في هذا الفندق المميز في العام 1938 واول حفل انتخاب لملكة جمال المغتربين جرى فيه  ايضا في العام 1962,  بالاضافة الى وجود  ابنية كثيرة مبنية من الصخر والقرميد وتستقبل وفود المصطافين ومقاهي ومطاعم ومنتزهات على اجمل ما يكون من سحر الطبيعة والجمال والتنوع.

لكن الحرب التي عصفت بلبنان على مدى عشرين عاما عطلت هذا الواقع الى حدود الالغاء. لكن اهل الشوير ومحبيها وبلديتها عادوا بعد الحرب يعاودون ضخ نبض الحياة من جديد كي يعود للشوير عز ضعف وتعثّر لكنه لم يمت. وان في نفوس احفاد هؤلاء البنائين المهرة والحدادين الاقوياء ورجال العلم المتفوقين لمن القوة والعزم والارادة ما يكفي لاكمال المسيرة واعادة ضهور الشويرمكانتها على الخارطة السياحية.

المهندس جميل ابي خير

  2017 ©